Contatti
Info
مقالات صوتية لمجموعة من كتاب ومثقفي الوطن العربي في مجالات الثقافة والاجتماع والتاريخ
Episodi & Post
Episodi
Post
14 MAG 2026 · ما الذي خسره المسلمون بأفول نجم المعتزلة؟
رأينا في القسم الأول من هذه المقالة أن جراءة المذهب الأخلاقي للمعتزلة وعمقه الفلسفي يغدوان واضحين إذا علمنا أن المسألة الأخلاقية، بحسب حوراني، إنما تدور على سؤالين: سؤال أنطولوجي يقسم الناس إلى قائل بالموضوعانية وآخر منتصر للذاتوية؛ وسؤال إبستملوجي يكون بموجبه المرء إما عقلانيًّا أو مؤلِّهًا. بالتركيب بين القسمتيْن نحصل على المعسكريْن الكبيريْن الذين تنازعا بينهما أمر الفكر الأخلاقي في الإسلام:
1- الموضوعانية العقلانية (rationalistic objectivism)، التي حمل لواءَها المعتزلةُ (Hourani 1985a, 126)، والقائلة بأن للقيم الأخلاقية وجوداً موضوعياً ثابتاً في نفسه، وبأن العقل قادر على إدراكها. وهذه هي الترجمة المعاصرة لمقولتهم الشهيرة: الحسن والقبح العقليان.
2- الذاتوية المؤلِّهة (theistic subjectivism)، التي نافح عنها الأشاعرة، خصوم المعتزلة. جرّد هذا المعسكر القيم والحقائق الأخلاقية من أيّ وجود موضوعي مستقل عن الذات الإلهية؛ ولذلك يسمي حوراني هذه النظرية أيضًا “الإرادوية الأخلاقية” (ethical voluntarism) لأنها تُعلّق المفاهيم الأخلاقية على مجرد إرادة هي الإرادة الإلهية (ibid., 24). ولو شاءت إرادة الله إقرار أضدادها، كتحسين الكذب وتقبيح العدل، لجاز ذلك (ibid., 251). ليس الحسن سوى ما أمر به الشارع، وليس القبيح إلا ما نهى عنه؛ وتلك هي نظرية الآمرية الإلهية (divine command theory)،
14 MAG 2026 · “لو قُدّر أن اختار السبيل الفكري الذي يتوجب على المسلمين سلْكه – وهو اختيار ممتنع عليّ ما دمت أنظر إلى الإسلام من خارجه – لاخترت أن أبدأ مجددًا من حيث توقف أوائل الفقهاء والمعتزلة لتشييد فقه إسلامي مبني صراحة على مبدأيْ الإنصاف والمصلحة العامة، ولاهوت (علم كلام) أخلاقي يحتفي بقدرة العقل الإنساني على معرفة الحسن والقبيح من غير حاجة إلى استشارة النص في كل خطوة يخطوها. كان المعتزلة محقين في مذهبهم القاضي بموضوعية الأحكام الأخلاقية؛ أما ما كان في نظريتهم الأخلاقية من ضعف فيمكن تقويمه ومراجعته على يد فلاسفة الأخلاق والمتكلمين المعاصرين.” (Hourani 1985a, 276)
ليس صاحب هذا الكلام شخصًا آخر غير جورج فضلو حوراني الذي يستحق عن جدارة لقب “مُعتزليُّ أكسفورد المسيحي”؛ وذلك لِما أخرجه من مؤلفات وأبحاث دراساً فيها الأخلاقيات المعتزلية مستفيدًا من مكتسبات الفلسفة الأخلاقية المعاصرة، ولما صرفه من جَهد علمي في تحليل هذه الأخلاقيات وبيان أوجه قوتها النظرية والعملية وراهنيتها، ولِما أبداه من حماسة في تبنّيها والانتصار لها. يشهد على ذلك مجموع الدراسات التي جمعها لاحقًا في كتاب العقل والنقل في الأخلاقيات الإسلامية (Hourani 1985a) وكذا كتابه العقلانية الإسلامية: المذهب الأخلاقي للقاضي عبد الجبار (Hourani 1971). لم يتردد جورج حوراني في مضاهاة الأخلاقيات المعتزلية بالأخلاقيات الفلسفية، بل عدّها أخلاقيات فلسفية في منهجها. فمن يكون جورج حوراني؟ وما الذي شدّه إلى المذهب الأخلاقي للمعتزلة؟ وما الذي خسره المسلمون ماضيًا وحاضرًا -في نظره- بأفول نجم المذهب الأخلاقي للمعتزلة؟
14 MAG 2026 · لا شكَّ في أنّ إشكالَ صلةِ اللغةِ بالتطرّف، ولا سيما ما يتصلُ بطبيعةِ الخطابِ المتطرّف ومسالكِه اللغويةِ الحِجاجية، يحتاجُ منّا إلى فهم دقيقٍ وفحص علميّ رصين حتى نتبيَّن خططَه في الإيقاع بضحاياه. ولا يمكنُ أن يتحقَّق ذلك إلاّ بتتبُّع المفاتيح الآتية:
النظرُ في المستوى اللغويِّ البلاغيِّ للخطاب المتطرّف، وآلياتِه التي تُوجِّه مغالطاتِه المُفخَّخةَ إلى المخاطَبين.
النظرُ في الكيفيّاتِ التي تُساعِدُه على الانتشار في العالمين الواقعيِّ والرقميِّ، من خلال مخاطبة المتلقّي، سواء أكان من الأتباع أم من غيرهم [1] !
بناءً على ما تقدّم، تنطلق فرضيّةُ البحث من ملاحظةٍ أساس مفادها أنّ المتطرّف يوظّف مسالكَ اللغة ومواردَها البلاغيّة والحِجاجيّة توظيفًا مخصوصًا، يقوم على إعادة تشكيل المعاني وتوجيهها بما يخدم بناءَ خطابٍ قائمٍ على الإقصاء والعنف الرمزي أو المادّي. ويكشف هذا التوظيف، عند تحليله، عن نمطٍ من التفكير المغلق الذي ينتقي من المعارف والنصوص والخطابات والعقائد ما ينسجم مع منظومته التصوّرية ويعزّز أهدافه الاتصاليّة والتعبويّة.
ومن ثمّ يغدو المتلقّي إزاء خطابٍ يختلف في طبيعته ووظيفته عن الخطابات التداوليّة التي تنهض عادةً على التفاهم والتعارف وبناء المشترك الإنساني. ويعتمد هذا الخطاب آليّةً يمكن للبحث أن يسمّيها «آليّة التسلّط»، حيث تنتقل اللغة من وظيفتها الأصليّة في التواصل إلى أداء دورٍ تفاعليٍّ ذي غايات هيمنيّة، تتشكّل ملامحه تبعًا لسياقات التخاطب وخصائص المتلقّين.
14 MAG 2026 · المحاور
- مدخل
- أسفار اليهود والفقه التراثي الإسلامي
- أثر التلمود في الأحكام الفقهية الإسلامية
- التقاطع بين التلمود والفقه التراثي
- التلموديات في التفسير وفي التراث الفقهي
- محاكاة التشريع الإسلامي للتشريع اليهودي
- تجسيد الذات الإلهية
- حَرْفِية أداء الطقوس التعبدية
- شعب الله المختار مقابل الفرقة الناجية
14 MAG 2026 · يُقدَّم القانون نفسه بوصفه الركنَ الذي عليه تقوم الدولة الحديثة، والسلطانَ الأسمى الذي لا يعلوه سلطان. غير أنّ هذا الادعاء، على بداهته، يفتح النقاش على معضلة فلسفية وسياسيةٍ في الآن نفسه، أكثر تركيبًا وتعقيدًا: من أين يستمدّ القانون مشروعيّته؟ لماذا على الفرد، بوصفه ذاتًا حرّة، الانصياع إلى قاعدة تُلزمه وتكبل إرادته؟ فالإكراه القانوني لا يتجسّد في قدرة الدولة على فرض الخضوع بالقوة، فحسب، بل باعتباره أيضًا –وأساسًا–، رضًا جماعيًّا للخضوع لقاعدة هي بالأحرى “واجبٌ” يستحقّ الالتزام به. من هنا مفارقة الديمقراطيّة: فهي، من جهة، نظامٌ يُبشّر بأن السلطة لا تُمارس إلا برضا وموافقة المحكومين (=المواطنين)، غير أنها، في المقابل، تحمل في ثناياها قوانين من شأنها تقييدُ حرّية المواطن وإكراهه واستباحة العنف في حقه باسمه؛ باسم إرادة غالبية المواطنين
بذلك تتأسس مفارقة الديمقراطيّة على توتر داخليّ بين نمطين من المشروعيّة: المشروعيّة الإجرائيّة والمشروعيّة المعياريّة. لا تلتفت الأولى إلى مضمون القانون وعواقبه، وإنما تكترث، فقط، لطريقة إخراجه ومدى انضباطها للقواعد الديمقراطيّة المسطريّة: انتخابات حرّة، تمثيلٌ سياسيّ، تصويتٌ، مؤسّسات تكفل الشفافيّة والتداول على السلطة. بذلك، يصير القانون، الذي يحظى بالمشروعيّة، كلّ قاعدةٍ خرجت من رحمِ الإرادة العامّة وفقَ المتَّفق عليه من القواعد الديمقراطيّة والإجرائيّة لسنِّها وإخراجِها وتنفيذِها
لكن هل تكفي سلامةُ الإجراء للتسليم بعدالة النتائج؟ ماذا لو أنجبت هذه السيرورة الإجرائيّة، المستندة إلى الأغلبيّة، قوانين تأتي على حقوق الأقليات، أو شرعنت التمييز واللاتسامح؟ أليس في إمكان طغيان هذا الوجه الإجرائيّ، ذو النزعة الأغلبية في الديمقراطيّة، أن يُودِيَ بالديمقراطيّة نفسها؟ هكذا يفصح الوجه الإجرائيّ في الديمقراطيّة عن تهديدٍ، كامنٍ فيه، بالتحول إلى “استبداد الأغلبية” مُعلَّبٍ في شرعيّة ديمقراطيّة إجرائيّة، تحترم حقّ الأغلبيّة في تقرير مصيرها، لكنها تُهدّد حقوقَ الإنسان والمعايير الإنسانيَّة
14 MAG 2026 · لم يكن العرب قبل الإسلام أسرى الصحراء بقدر ما كانوا أسرى بنيتهم الذهنية. كانت الأرض مفتوحة، لكن المعنى مغلق. وكانت القبيلة، لا الطبيعة، هي السجن الحقيقي: حيث يُختزل الإنسان في نسبه، وتُقاس الحقيقة بميزان القوة، ويُلغى الفرد لصالح الجماعة
جاء الإسلام ليكسر هذه البنية لا ليعيد إنتاجها. لم يكن مجرّد خطاب ديني، بل لحظة انقلاب على نظام المعنى نفسه: نقل الإنسان من الانتماء البيولوجي إلى المسؤولية الأخلاقية، ومن سلطة الدم إلى أفق الفكرة. لقد كانت الرسالة، في جوهرها، خروجًا من “الطبيعي” إلى “الإنساني”، ومن الموروث إلى الممكن
غير أن هذا الانقلاب لم يكتمل. فالتاريخ، بخلاف لحظة الوحي، لا يحتمل الفراغ طويلًا. وما إن انكسر الإطار القديم حتى بدأ الوعي الجمعي في إعادة ترميمه، ولكن هذه المرة داخل الدين ذاته. وهنا نشأت المفارقة الحاسمة: ما تمّ هدمه باسم الإسلام، عاد ليُبنى باسم الإسلام نفسه (تأسلُم). لقد جرى، تدريجيًا، تحويل الرسالة من طاقة مفتوحة إلى بنية مغلقة. الوحي الذي كان يحفّز السؤال، أصبح نصًا يحتكر الجواب. والتجربة التي كانت تدعو إلى التحرّر، تحولت إلى منظومة تضبط هذا التحرّر وتحدّه. لم يعد الدين أفقًا يُخاض، بل نظامًا يُتّبع
وهنا يبدأ الحصار. ليس حصارًا خارجيًا، بل داخليًا، أكثر تعقيدًا وخطورة. حين يتحول الإسلام إلى مرجعية مكتملة لا تقبل المراجعة، يُجرَّد الزمن من حقه في التفاعل معه. وحين يُرفع النص إلى مستوى نهائي، يُغلق باب التاريخ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى. في هذه اللحظة، لا يُلغى الإسلام، بل يُجمَّد
إن ما يُسمّى بـ”اكتمال الدين” كان، في الوعي التاريخي، سلاحًا ذا حدّين: منح اليقين، لكنه سحب إمكان التطوّر. رسّخ الثبات، لكنه ضيّق أفق الحركة. وهكذا، بدل أن يكون الإسلام قوة ديناميكية داخل الزمن، جرى تثبيته خارج الزمن، ليغدو معيارًا ثابتًا لعالم متغيّر
12 MAG 2026 · كتب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار Jean Baudrillard (1929-2007) عن مجتمع الاستهلاك قائلا:
«لم نعد نستهلك أشياء من أجل استخدامها، بل من أجل دلالتها. لقد صارت كل الأشياء عَلامات،
والسِّلعة لا تُشترى بوصفها شيئًا بل بوصفها هُوية »[1]؛ بمعنى آخر:
إنّ الاستهلاك في المجتمعات المعاصرة لم يعد تحركه المنفعة أو الحاجة، بل صار موجهًا بالدلالة والرمز؛ فالسلعة مثل الهاتف أو السيارة أو الوجبات السريعة أو اللبّاس أو مجمل مظاهر التسوق الواقعي أو الرقمي .. لم تعد أداة بل علامة اجتماعية بالغة تدل على المكانة الاجتماعية التي ينتمي إليها المستهلك، وهوية تحدد كينونته إن جاز لنا التعبير.
مع هذا القول الفلسفي أمام محاولة لتدشين هوية مغايرة أو هي بداية تأسيس كوجيطو جديد: “أنا أستهلك، إذن أنا موجود”؛ وهو تحوير بلاغي ساخر للكوجيطو الديكارتي[2] ” أنا أفكر، إذن أنا موجود”؛ فرغم بلاغة التكرار الذي يمكنُ أن يتضمنه هذا الكوجيطو الجديد، المتمثل أساسًا في ضمير المتكلم “أنا”، بما يمنحنا شعورًا مغشوشًا بالتشابه مع الكوجيطو الديكارتي، إلاّ أننا أمام تحديد مفهوم جديد للأنا يتضمن سخرية ضمنية – إلى حدّ ما صادمة – من طبيعة هوية الشخص اليوم؛ إنّه كُوجيطو جديد لأنه قائم على النظام الرمزي لتسليع العالم والإنسان والوجود، في مقابل كوجيطو كلاسيكي ديكارتي، أصلي، يقومُ على الوعي وفعاليات التفكير، كالنقد والشك والنفي والإثبات، والتخيل، والإحساس أيضًا. من ثمّ فإن الوعي الإنساني انتقل من العقلانية المنطقية إلى الاستهلاكية الرغباتية، من بلاغة العقل إلى بلاغة الرغبة، الأولى تنتجها ذات مفكرة عاقلة، أما الثانية فتنتجها ذات استهلاكية ما دامت الأنا تبين هويتها وتظهر وجودها من خلال فعل الاستهلاك نفسه المتضمن في المقدمة “أنا أستهلك”.
12 MAG 2026 · لا يمكن اعتبار كتاب يسرائيل شاحاك “اليهودية: وطأة ثلاثة آلاف عام” مجرد دراسة تاريخية في اللاهوت اليهودي، بل هو، في جوهره، مشروع لتفكيك الأيديولوجيا التي تحرك واحدة من أعقد الصراعات المعاصرة. يسرائيل شاحاك، الناجي من “الهولوكوست” والذي عاين بنفسه ويلات العنصرية في أوروبا، أدرك أن مواجهة العنصرية لا تجوز أن تكون انتقائية؛ فالعنصرية التي تُدان حين تمارس ضد اليهود، يجب أن تُدان وبنفس القوة حين تُمارس باسم اليهودية ضد الفلسطينيين. ينطلق شاحاك من فرضية أن فهم “دولة إسرائيل” لا يمكن أن يتم عبر الأدوات السياسية التقليدية وحدها، بل عبر إعمال المبضع في جسد “النصوص الدينية الكلاسيكية” التي تمنح الشرعية لسياسات الفصل والإبادة المعنوية والمادية.
12 MAG 2026 · لا شكّ أنّ النظر في النص القرآني غاية جليلة، وذوق سنيٌّ، وحِكمة بالغة، وترشيدٌ للإنسان في آجله وعاجله، لكن تحقق ذلك لا يخلو من مسؤولية حضارية، وأمانة أخلاقية، وثقل روحي؛ أولا لأن النَّاظر يجب أن يكون متدبّرًا بموضوعية، ثانيًا يجب أن يكون بعيدًا عن دخن الأيديولوجيا، وثالثًا عليه أن يُسلّم بأن فَهم آيات الله ﷻ لا يتمّ إلاّ بعد فتح أقفال القلب، وإلاّ كيف نفهمُ قول الحق العظيم: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾﴿محمد: ٢٤﴾
ومن جملة الأقفال التَّسلِيم بأن النَّّصَّ القرآني يفهمُ من خارجه؛ فمُحال أن يحكم الخارج الداخل في أنموذج فهم القرآن المجيد، وهذه المسلَّمة تؤدي بنا إلى فرضية– نتحقق من صدقها في مراحل البحث التي تأتي– مفادُها أنّ النّصّ القرآني «مفاتيح فهمه كامنة في داخله». وهكذا، فإنّ مَسِير تدبّر القرآن، وإعادة التفكير فيه، مَحكُومٌ بتتبع منطقه اللِّسانيّ الداخليّ الذي يؤدّي بنا لا محالة إلى استنباط آلية كُبرى تمهِّدُ فهمه.
الفرضية السَّابقة يفرضها المنطق السَّليم للنظر في روح منهج فهم النّصّ القرآني وصلابته، لأنّ فهم القرآن بآلية لسانية قرآنية تبعدنا عن الفهوم المعارضة والمتهافتة والزمنية للقرآن، وإلاّ يمكنُ طرح السؤال الآتي: هل هناك آلية يمكن أن نفهم بها القرآن خارج منطقه اللساني الداخلي؟
12 MAG 2026 · تمهيد: اكتشف الإنسان عبر التاريخ بالتأمل والتجربة والمحاولات حاجته إلى تأسيس أداة عقلية عملية، تم استدعاؤها لمعرفة الظواهر الطبيعية وتفسيرها وفهمها، بل التحكم في بعض مساراتها واستغلالها عند اكتشاف قوانينها، وتوسع اعتماده عليها بغاية تنظيم مؤسسات المجتمع، وترميز وحماية معلوماته وتحليلها، حتى أصبحت المقاربة الرياضياتية إحدى وسائل تأكيده للشرعية العلمية لفهمه للظواهر الاجتماعية، سواء تعلق الأمر ببناء نماذجها وتحليلها، أو اتخاذ القرار من خلال نتائجها.
مع انطلاق الحرب العالمية الثانية، ظهرت فروع في الرياضيات تعتمد المجتمعاتَ كمجالات للتطبيق في تحليل المعلومات وجمع المعطيات حول السكان، وانتهى الأمر بصناعة الرأي العام والتأثير في خيارات الناس السياسية والاقتصادية واتجاهاتهم، بل صناعتها. وهكذا امتدت الرياضيات من الفيزياء والكيمياء والطبيعيات إلى دراسة سلوك المجتمعات، بل تعبئتها مع توهمها أحيانًا أنها تدافع عن آرائها واختياراتها. لقد تجاوزت الرصد والتحليل إلى صناعة الواقع والتدخل في تفاصيل الكون الاجتماعي. ومع التطور والتعقيد والتركيب أصبحت الرياضيات من أدوات الضبط الاجتماعي والتنظيم الإداري والأمني، فبعدما كانت من قبل أداة للتحليل والتفسير انتقلت إلى موقع “صناعة” إدراك المجتمع.
مقالات صوتية لمجموعة من كتاب ومثقفي الوطن العربي في مجالات الثقافة والاجتماع والتاريخ
Informazioni
| Autore | مجتمع Mujtama |
| Organizzazione | mujtama |
| Categorie | Cultura e società |
| Sito | - |
| contact@mujtama.org |
Copyright 2026 - Spreaker Inc. an iHeartMedia Company